خلفية

This post is also available in: English

ابتليت دول القرن الأفريقي الكبير بالصراعات البينية والداخلية منذ تأسست أو استقلت عن الاستعمار. وصارت الحروب والعنف في حل المشاكل من أهم مميزات هذه المنطقة على مدى عقود مضت. شهد بعضها انقلابات وبعضها الآخر صراعا داخليا مريرا بينما شهد بعضها انهيارا لنظام الحكم أدى إلى نشوب حرب أهلية استمرت عقدين من الزمان كما هو الحال في الصومال.

وبالرغم من وجود بحوث ودراسات كتبت حول هذه المنطقة سياسا واقتصاديا واجتماعيا فلا تزال الحاجة ماسة لفهم هذه المنطقة وتحليل أوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجيوسياسية والاسترتتيجية ولا سيما من وجهة نظر أبنائها وليس من وجهة نظر المستعمر القديم أو الجديد.

وستفضي مثل هذه الدراسات والبحوث والتغطية الإعلامية المتوازنة إلى فهم أعمق للتدافعات والديناميات المحركة للأحداث السياسية والاجتماعية فيها بعيدا عن التفسيرات النمطية للعنف وفشل الدولة وهي التفسيرات ترجع أسباب الصراع إلى التباين الديني والعرقي والجغرافي بين أبناء المنطقة. فالصومال على سبيل المثال انهارت الدولة فيها قبل ٢٠ عاما وانهارت معها جميع المؤسسات. ولم تعد إليها الحكومة المركزية حتى هذه اللحظة باالرغم من التجانس الموجود بين أبنائها لغويا ودينيا وعرقيا بينما سلمت من هذا المصير دولة مثل أثيوبيا تتجانس فيها الأعراق والأديان واللغات وقد مرت بنفس تجربة الصومال في الحكم العسكري الاتقلابي ثم استيلاء مليشيات المعارضة على الحكم ولكن استتب الأمر في فترة قصيرة. وكذلك كينيا التي تشكلت كدولة من أجزاء متفرقة مقتطعة من الدول الأخرى وغير متجانسة استقلت بالاستقرار السياسي والاقتصادي على فترة طويلة وبعد ذلك عندما شهدت أزمة العنف الأخيرة في عام ٢٠٠٨م  عادت المياه إلى مجاريها بسرعة وتم التحكم بالعنف فيها بشكل أسرع.

بالمثل أوغندا، مع تاريخ من الانقلابات والحروب الأهلية استطاعت العودة الى السلام والاستقرار النسبي، كما هو الحال في رواندا التي برزت باقتدار من الإبادة العرقية، ووضعت نفسها على مسار واضح في التنمية الاقتصادية. وهناك تنزانيا أيضا، وهي بلد تجمع أكثر من مئة من مختلف المجموعات العرقية وتتمتع باستفرار وسلام وطيد.وعلى باب الصومال توجد جيبوتي التي تجاوزت سلميا نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية. 

هذ كله يفسر أن التفسيرات النمطية التي تعطى للعنف والصراع في المنطقة لا تقدم تفسيرات مقنعة للباحث الجاد والمتابع المراقب والمثابر. ويكشف الحاجة إلى دراسات معمقة وواعية تسعى إلى تقديم الرؤية الصحيحة حسب الإمكان وذلك بطريقة تكاملية ومعمقة تتناول الجوانب المختلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية وتسبر غور الأحداث ولا تكتفي بالإخبار عنها ونقلها دون ربطها بما قبلها وما بعدها حتى تكتمل الرؤية لدى المتابع.

وهناك تحديات جسيمة تواجه عمل أي مركز يندب نفسه لهذه المهمة وأول هذه التحديات كيفية العمل في بيئة لا سلطة ولاقانون فيها مثل الصومال، مع قلة الإمكانيات، وترتيب الأولويات. ولكن وحسب سنن الله الكونية فإنه بقدر كبر التحديات تكون عظم الفرص، ومن خاف التحديات فاتته الفرص، ومن خاضها جنى ثمارها.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية للاضطلاه بهذه المهمة، وهو مؤسسة ربحية مسجلة في بريطانيا وكينيا والصومال تهدف إلى إجراء البحوث والدراسات الإعلامية وبناء القدرات في ميادين الصراع وبناء السلام، والتنمية والتعاون الإقليمي بين دول وشعوب منطقة القرن الافريقي وشرق أفريقيا.