قضية أغسطس (٢٠١٠) الفيدرالية في الصومال: ترف الخيار أم حتمية المصير؟

للتنزيل: {title} ({hits})

مقدمة

أفرزت الفترة ما بين مؤتمر عرتة بجيبوتي سنة 2000م، و مؤتمر نيروبي بكينيا 2002م ولادة جمهورية الصومال الفيدرالية، في محاولة لوضع هياكل فيدرالية تكون غطاء يشمل أي منحى واقع أو متوقع، يعمل على تشريع بناء إدارات محلية تمتلك من الاستقلالية قدرا يضمن استمرار الحياة الطبيعية في أي جزء من الإقليم الصومالي. ((بناء الدولة أزمة المصالحة الصومالية د. السيد عوض عثمان العدد 147- السنة الخامسة عشرة- 2005 مركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية بجريدة الأهرام (كراسات استراتيجية ).))

تلك المحاولة التي مر عليها ما يقارب عقدا من الزمان، على ما تبدو عليه الآن من قدم، و نحن ندخل في العقد الثاتي من الصراع في أجزاء واسعة من الصومال، كان رد فعل ضبابيا و متأخرا، بعد عقدين من حكم مركزي دكتاتوري فردي أو عائلي في أحسن الأحوال.

ضبابية ذلك الاقتراحات التي قبل بها المجتمعون آن ذاك استوجبت التركيز على فهم الفيدرالية، دواعيها و آلياتها و نتائجها، حتى عقد مؤتمر في تيروبي بتاريخ 26/11/2008 ، لتباحث مسألة الفيدرالية، و قد استفاض معارضوا النظام الفيدرالي في نقده، و اجتهدوا في نقده و تجريحه أيّما نقد و تجريح ((الصومال ..الفدرالية في قفص الاتهام : الصومال اليوم محمد عمر أحمد بتاريخ 1/12/2008))، إلا أن الرد على المنتقدين أبسط مما يتصوره البعض، فالواقع يقول أن إقليم جمهورية الصومال- 01/07/ 1960 – يعيش حالة من أوضح صور التقسيم، إلا أننا سنحاول الوصول إلى شيء من الوضوح بشأن كل ذلك، عبر استخلاص ما تعارف عليه خبراء السياسة، و جانب من توجهاتهم و أهم النظريات التي تم طرحها و تداولها حول الفيدرالية – باختصار – ، مسقطين تلك المفاهيم على ميدان التجريب، في سعي لمواءمتها مع الواقع الصومالي، و نحن في ذلك نتلمس أهم الوقائع السياسية و الأمنية التي غطت مساحة زمانية، و مكانية واسعة من الواقع الصومالي.

و لنكون دقيقين سيتوجب علينا الخروج على التنميط، الذي لف التعامل مع المسألة الصومالية، عبر اختراق الأطر الجاهزة والموضوعة مسبقا لتلك المسألة على مدى العقود الماضية.

إن مما لا خلاف عليه أن المجتمعات الصومالية في غالبها الأعم، اعتمدت الرابطة الدموية (القبيلة)، و تحالفتها أسلوبا يحافظ على استمرار الفرد و الجماعة، إلا أن ذلك لم يمنع وجود روابط و اتفاقات، يضمنها الجوار و النتائج المهمة التي انبثقت عن تلك الأنماط من الارتباطات. ((محنة الحزبية فـي مجتمع قبلي: الأهالي، زايد جابر 7/4/201.))

الفيدرالية مصطلحا

يعود أصل الاسم إلى اللغة اللاتينية (foedus, foederis) و يعني (الميثاق)، كما يحيلنا إلى مصطلح مقارب له هو (الاتحاد) إذ أن الميثاق المبرم يجمع فئات تحاول تجاوز الاختلافات و أسباب الفرقة ما بينها، و هي – أي الفيدرالية – نظام لتقاسم السلطة واتخاذ القرارات المشتركة بين حكومتين أو أكثر، منتخبة بحرية وتتمتع بالسلطة على الشعب ذاته والمنطقة الجغرافية ذاتها، وهي تمنح وتحمي القدرة على صنع القرار، حيث تظهر النتائج أسرع ما تظهر في المجتمعات المحلية وفي المستويات العليا للحكومة. فهي تحفظ من جهة وحدة الدولة، وكيانها السياسي، ومن جهة أخرى تمنح المقاطعات أو الأقاليم نصيبها من السلطة والثروة والتمثيل السياسي. وبخلاف الحكم الذاتي، فإن الأقاليم في ظل الفيدرالية تشارك بقسطها في الحكومة المركزية. كما تضمن الفيدرالية الاحترام التام للتعددية القومية والدينية والمذهبية والسياسية، ومن ثم تقطع الطريق على قيام حكومات استبدادية. ((الموسوعة البريطانية Britannica.))

و بذلك يكون النظام الفيدرالي أو الفيدرالية نظاما لتوزيع الصلاحيات بين حكومتين أو أكثر، تمارسان السلطة على مجموعة الناس نفسها وعلى الإقليم الجغرافي ذاته، و تتمتع الحكومة القومية بالصلاحية الحصرية لتنظيم التجارة بين الأقاليم والتجارة الخارجية، ولصك النقود، ومنح الجنسية، وتشكيل قوات برية أو بحرية، وأمور أخرى.

و يسمح تقسيم السلطات قدرا كبيرا من الحرية للأقاليم و سكانها، بحيث تكون سياسة كل وحدة سياسية منتمية إلى الاتحاد بما يتلائم مع حاجاتها، وتجاربها، وقيم أكثرية سكانها، كما تعبّر عنها قوانينها. في هذا المثل، يتبين أن تباين ممارسات الأقاليم مفيد لأن ليس هناك من إجماع قومي حول تأييد سياسة موحدة في شان بعض الأمور.

و يوجد في العالم الآن 24 دولة تطبق الفيدرالية، تضم 40% من سكان العالم وتعكس كل منها الخصائص الأساسية للدولة الفيدرالية. منها سويسرا وكندا وأستراليا والنمسا وألمانيا والهند وماليزيا وبلجيكا وإسبانيا وباكستان والولايات المتحدة الاميركية، و يعد معظم تلك البلدان من أكثر بلدان العالم جاذبية للسكان.

الفيدرالية نظام توحيد لا تقسيم

على الرغم من وجود حد أدنى من الأواصر المشتركة، كانت الفيدرالية حلا ناجعا، يقصي عن الساحة السياسية أشكال التنافس و التنافر التي تؤدي للصراع و التناحر، و في الحالة الصومالية تتنوع أسباب التنافر ففي أرض الصومال نجد حقائق التهميش، و محاولة التطهير العرقي إبان حكم محمد سياد بري، كما عانت الأقاليم الشرقية ممثلة اليوم بأرض البونت من قمع لا إنساني قل نظيره، و تفتت الجنوب نظرا للقهر الذي عاناه أبناء أغنى بقاع الصومال و ما مروا فيه من حجر و تجويع و إفقار.

إن الفترة الزمنية التي مرت على انهيار الحكومة المركزية، يضاف إليها التباين الذي كان نتاجا لاختلاف أنماط الحياة الاجتماعية و الإقتصادية في أنحاء الصومال، تستوجب قدرا كبيرا من الحرية، للأقليم المميزة – و الصومال كله أقاليم متميزة – ، إنما ضمن عباءة متّفق عليها، تراعي الحقائق التاريخية و لا تخرج بأي حال من الأحوال على الوحدة الدينية و الثقافية و العرقية للشعب الصومالي. ((الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات : مجلة الفيدرالي، العدد 46 بقلم: ديفيد بودنهايمر.))

نماذج من الفيدرالية

و قد تعددت أشكال الدول الفيدرالية و أمثلتها، بدءا بالاتحاد السويسري (26 كانتون) وصولا للاتحاد النيجيري(34 ولاية) مرورا بدولة الإمارات العربية المتحدة )سبع إمارات) و الولايات المتحدة الأمريكية (خمسون ولاية).

الحيثيات التاريخية لقيام بعض الفيدراليات

كانت نشأة النظام الفيدرالي على مدى التاريخ ، نتاجا لصراعات عنيفة بين سكان بقعة متصلة من الأرض – غالبا، يجمعهم من الأواصر و المصالح، ما يجعل انعزالهم التام عن بعضهم مستحيلا أو خطرا حقيقيا محدقا بهم، في الوقت الذي لم يمكن لأي فئة من فئات أولئك السكان القدرة على الهيمنة على من عداهم في تلك البقعة من الأرض، كما حدث بعد الثورة الأمريكية و تحولها على اثر مؤتمر فيلادلفيا في عام 1787 ، و الحرب الأهلية في سويسرا قبل قيام نظامها الفيدرالي 1848م ، و كانت من نتائج الحرب العالمية الثانية قيام الفيدراليات في النمسا 1945 ويوغسلافيا 1946 وألمانيا 1949، و كان من إفرازات الحرب الأهلية الاسبانية و نتائجها، ما قاد إلى دستور 1979 الذي حول البلاد إلى فدرالية تطبق على ارض الواقع، كل ذلك يجعل الواقع الصومالي غير مستثنى، من أن يكون مرشحا ناجحا لتطبيق الفيدرالية. ((الفيدرالية… مشروع للتقسيم أم للوحدة؟ : صحيفة «الصباح» البغدادية د. كاظم نزار الركابي.))

و على الرغم من تعدد أشكال الدول الفيدرالية و أمثلتها فأنه يمكننا أن نعدَّ نموذج البوسنة و الهرسك، مثالا يمكن احتذاؤه – نظريا – في الواقع الصومالي، ففيدرالية البوسنة و الهرسك مكونة من وحدتين فدراليتين رئيسيتين، تنقسم إحداهما إلى عشرة كانتونات، ذات نظم داخلية تتيح ضمان حقوق الفئات المتباينة فيها، و في حالة الصومال نجد أنه قد تكوّن بادئ ذي بدء من جزئين (الصومال البريطاني و الصومال الإيطالي)، و قد بلغ الواقع السياسي في أرض الصومال درجة من التماسك، يمكن معها التعامل معه ككتلة واحدة – مع وضع ترتيبات خاصة لإقليمي صول و سناج -، في حين يمكن للحكومة الانتقالية، و إدارة ولاية أرض البونت – متضامنتين -، العمل على صياغة تفاهمات داخلية، تضمن نزع فتيل الصراعات الداخلية في الإقليم الجنوبي، في شكل من الفيدرالية ضمن الفيدرالية، مع دعم من أرض الصومال، مما يفتح المجال واسعا لقيام الأنشطة السياسية، و نمو الأحزاب و التيارات التي ستتنافس فيما بينها سلميا على الوصول إلى الحكم، و تداول السلطة بشكل بعيد عن الاستئثار أو الاستبداد.

الحالة الصومالية و العوامل المحددة لنجاح الفيدرالية

1- العامل الثقافي

إغراق الشعب الصومالي في التراث الشفوي، ((The Poetry of Somalia من موقع www.somaliculture.net)) و الارتكاسة التي صاحبت الاستغلال الأيديولوجي غير الناضج لكتابة اللغة، و عدم مراعاة التدرج في نقل المجتمعات البريئة – إن لم نقل البدائية – وتعريضها لمفاهيم غير مجربة، و غير راسخة في التكوين الثقافي و النفسي للشعب (الثورة الثقافية)، كوّن حالة معقدة من المشاكل، فبعد ديمقراطية القبيلة، تعرض الفرد الصومالي البسيط إلى صدمة خلخلت ثقته بكل ما حوله، عبر سيل من الشعارات البرّاقة التي تتحدث عن الحرية و التقدم، في الوقت الذي شعر باجتثاث جذوره و قمعه، ليستيقظ على أن يتحول الجوع و النزوح واقعا عاما يجب عليه التأقلم معه.

ناهيك عن أن التراث الشفوي نجح في تجميد التاريخ، في أذهان فئات الشعب، فتجد فئات لا تزال تعيش أوهام نفوذ زال، أو ثورة تم قمعها، أو دور محوريا قام به أسلافها، في تكوين الجمهورية في مرحلة من المراحل، و أضحت المعضلة هي غياب رؤية لوطن يستوعب الجميع، ويعمل له الجميع، كما اعترف الجنرال محمد سياد بري بقوله (تركت صومالا، و لم أترك صوماليين) ((شعب نسيه العالم: تركت ورائي وطنا، ولم أترك شعبا : موقع الجولان نقلا عن إيلاف سعد صلاح خالص 10/11/2008)).

كل ذلك جعل الشعب الصومالي يعاني حالة من الاغتراب الداخلي، ممتلئا بالحزازت التي تتصاحب مع الاحتكاك اليومي بين فئاته، يعزز ذلك ارتفاع معدلات الأمية و الجهل و الفقر، و تقلبات المناخ و مواسم الجفاف المفاجئة والطويلة.

2- تنوع النظم السياسية مع وجود شك في قدرتها على التعامل مع الفيدرالية من حيث المسؤولية و المكاسب.

رغم نجاح حكومة الثورة – انقلاب 1969 – في التشديد على تطبيق المركزية، بحيث أزالت جوانب مهمة من التفاوت بين مناطق البلد و فئاته، و الذي حرصت القوى الاستعمارية – سابقا – على ترسيخه، فإن حالة التربص من قبل المعارضين، تواكبها حالة الريبة المستحكمة من قبل الحاكم الفرد، أدت إلى تفريخ تنويعات جديدة أضيفت إلى ما تبقى من تشققات الماضي في جسد الوعي الجمعي الصومالي، و على ذلك يمكننا اعتبار أن أكثر ما يميز الإقليم الصومالي اليوم، وجود تفاوتات واضحة، تمثلت في كانتونات ذات مسميات فضفاضة، توحي للوهلة الأولى بقدرتها على ضبط مناطق نفوذها المرسومة على الخريطة، في حين أنها في غالبها – إن لم يكن كلها -، عبارة عن مراكز قوة متواضعة، يدور في فلكها كيانات أضعف، تتعامل مع ذلك الواقع بانتهازية و اتكالية، تثير أبشع مشاعر التقزز لشدة لامبالاتها بالمصلحة الجمعية، للكيان الذي تدور في فلكه في تلك المرحلة.

كما أن لدينا في الصومال صنفان من الكيانات حسب ارتباطها بالأرض و قدرتها على بناء هياكل إدارية و قيادية واضحة المعالم، أولهما كيانات – يحلو لنا أن نسميها -(كيانات محددة) و ثانيهما (كيانات هلامية) وسنستعرض في ذلك الشأن ثلاثة أمثلة واضحة من الصنف الأول، تعد من أهم القوى السياسية في الإقليم الصومالي،و سندرسها من حيث ما يحويه نطاقها من استقرار:

أولا :الكيانات المحددة.

• الكيان الأول جمهورية أرض الصومال:

يحق لنا بداية أن نعتبر أن فكرة الفيدرالية، نشأت ردا على ما يمكن تسميته ( إنفصالا / استعادة استقلال / استقلالا من طرف واحد) – لاحظ الفوارق في المصطلحات -، و نتيجة لموقف أحد طرفي النزاع في مقديشو (مهدي/عيديد)1991-1994، و نقصد هنا محمد فارح عيديد من توجه القادة التقليديين في الإقليم ((لقاء مع المرحوم الجنرال محمد فارح عيديد سنة 1992 في موقع يوتيوب : http://www.youtube.com/watch?v=NKuhgW502xs))، لوضع ما يمكن به الحيلولة دون حدوث حروب قبيلة، و تصفية حسابات و ثارات، نتجت عن الحرب بين قوات الدولة المركزية و الحركة الوطنية الصومالية SNM ، فنجحوا بذلك، في منع تلك الأنشطة الإنتقامية اللاإنسانية واسعة النطاق التي دارت في مناطق أخرى من البلد، و بناءا على ذلك ارتأوا عزل مناطقهم عن الصراعات، التي تفجرت فيما يلي الحدود الاستعمارية القديمة، مع استمرار في رد أي محاولة أو مبادرة للجلوس و الحوار مع أي ممثل للحكومة الانتقالية في الجنوب ((وزيرة خارجيته تهاجم أمراء الحرب رئيس “أرض الصومال” يجري مباحثات في إثيوبيا، الهاتف العربي العدد 89الخميس 21 اغسطس 2003.)).

ذلك العزل و نتيجة للصراع السياسي بين أجنحة الحركة، و القادة التقليديين و دخول عناصر من مجموعات قبلية غير اسحاقية في آلية إتخاذ القرار، أدى إلى تبلور فكرة استعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الأول من يوليو 1960.

و رغم مرور ما يقارب عقدين من الزمن على ذلك القرار المصيري، فإن النخبة السياسية لأسباب لا يتسع المجال لذكرها، فشلت فشلا ذريعا في الحصول على اعتراف، أو حتى تمثيل يعتد به لدى أقرب دول الجوار، و خير دليل على ذلك زيارة الوفد البرلماني الكيني منذ فترة قصيرة و الذهول الذي لف زيارتهم، و لومهم للساسة الصوماليلانديين على تقصيرهم في التعريف عن ما أنجزه الشعب في الإقليم ((هل “أرض الصومال” شأن عربي؟:موقع الجزيرة نت حمدي عبد الرحمن بتاريخ 06/11/2009)).

• الكيان الثاني إدارة أرض البونت:

تعرضت أهم عشائر الإقليم (مجيرتين) لمقدار هائل من القمع، و التهميش إبان الحكومة المركزية، نظرا لعراقة نظام الحكم (سلطنة مجيرتينيا) و نجاحه في تأسيس علاقات خارجية مع العرب و غيرهم، مما حدى بالإدارة الاستعمارية الإيطالية أن تقوم بإعداد نخب عسكرية على درجة كبيرة من التأهيل، فاقت نظيراتها في معظم مناطق الصومال، فكان طبيعيا أن تكون أول المستهدفين في معارك كسر العظام التي ثبت النظام الدكتاتوري حكمه بها ((العقيد الانتقالي ..عبد الله يوسف أحمد : موقع المسلم بتاريخ 17/10/1427 وائل عبد الغني)).

و تلى ذلك تعرض أبناء القبائل القاطنة فيها و أقربائهم لحملة انتقام جهنمية أثناء و بعد سقوط نظام الحكم الدكتاتوري ، كل ذلك حدى بذلك الإقليم (أرض البونت) ذي التجانس القبلي، أن يعلن عن حكم ذاتي، و ترك الباب مواربا غير موصد – بخلاف حالة أرض الصومال -، مع تعاون شكلي مع الحكومة المركزية، في أسلوب تميز بإمساك العصى من الوسط، إلا أن ذلك الخيار كانت له من السيئات ما ترافق مع حسناته، فغدى العنف يرعد أحيانا في الأقاليم التي تليه جنوبا و يمطر في ( أرض البونت)، متحملا -ذلك الإقليم- أعباء تكوين نواة الجيش الصومالي أثناء حكم الرئيس عبد الله يوسف، كما استنفذت خزينته مرارا في مغامرات سياسية طموحة، تهدف لإحلال النظام في الجنوب المضطرب.

• الكيان الثالث الدولة المركزية (حكومة جمهورية الصومال):

منذ الشهور الأخيرة لنظام الجنرال محمد سياد بري حتى هذه اللحظة، بقيت الحكومة المركزية الصومالية، كيس ملاكمة أو ما يسميه المكسيكييون (Piñata)، وطريدة سهلة و محاصرة على توالي الحكومات الانتقالية منذ على مهدي محمد حتى الرئيس الحالي الشيخ شريف شيخ أحمد، فمن مهجر إلى مهجر نجحت في الاستقرار، في جانب من أحياء العاصمة، بحيث ليس لها من القوة ما قد يمنحها القدرة على فرض الأمن أو حتى إيصال إرادتها للغالبية العظمى من الشعب الصومالي.

ثانيا: الكيانات الهلامية.

يكاد يجمع كل تلك الكيانات تمثيلها لمجموعات قبلية، لا تملك مركزا معلوما لاتخاذ القرار، و على الرغم من ذلك تسعى لمساحة أكبر في المشهد السياسي، و لا يعنيها قيام كيان سياسي قوي في نطاقها بأي حال من الأحوال، إنما تنمو و تزدهر في أجواء منافية لأي شكل من أشكال الاستقرار و استتباب النظام، كما يضاف إلى سماتها نجاحها في إثارة القلاقل و الأزمات الأمنية، للكيانات المحددة سالفة الذكر و نطرح منها ثلاثة أمثلة:

• المثال الأول (حركات مسلحة يميزها الغلوّ) ((من مظاهر الغلو في الدين :مجلة الوحيد ، العدد 45 بتاريخ 01/11/2005 إعداد- أسامة سليمان.))

و هي عبارة عن باقة كبيرة متعددة الألوان، جذبت في دعواها مقاتلين ينتمون إلى شتى مناطق الصومال في الداخل و الخارج، ناهيك عن عناصر أجنبية ((“حركة الشباب” تعمّق ارتباطها بـ«القاعدة»: جريد الأخبار اللبنانية 04/12/2009))، لا جامع لها سوى العدو المشترك، ففئاتها في حالة هدنة ، مادام العدو قائما و خير أمثلتها، التحالف – غير الفاضل – بين حركة الشباب و الحزب الإسلامي، الذين انحرفا عن خطهما المفترض بقدر ما يتهمون من يناوؤون، فما أن بسطوا نفوذهم على أقصى جنوب البلاد (كيسمايو) و ما حولها، حتى سلوا السلاح على بعضهم و غدى بعضهم يطارد بعضا في القرى و البوادي، حتى بدت الغلبة لأحد الطرفين فخفت صوت الآخر على مضض، متحفزا للمعركة الداخلية القادمة ((الشباب تحكم سيطرتها على كيسمايو: الجزيرة نت 02/10/2009)).

• المثال الثاني (حركات مسلحة بمسحة صوفية)

و خير أمثلتها حركة أهل السنة و الجماعة، و هي في عملها نظيرة لحركات الصحوة في العراق، إلا أن المعروفين من قادتها، يصرون على تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية المبنية على الانتصارات العسكرية، محتفظين بكل الأوراق في أيديهم، للتفاوض على موقع أكثر تقدما في صنع القرار في فيلا صوماليا، و قد حققوا قدرا كبيرا من مآربهم حتى الآن ((الحكومة الصومالية تتحالف مع “أهل السنة” وتمنحها 5 وزارت: أخبار العالم نقلا عن إسلام اونلاين 17/03/2010)).

• المثال الثالث (الوضع في إقليمي صول و سناج) ((من نيروبي وجهاء سول و سناج يعلنون الحرب على أرض الصومال: شبكة الشاهد 16/10/2009))

يصر القادة السياسيون في الإقليم على ابتزاز حكومة أرض الصومال و إدارة أرض البونت سوية، في أسلوب يمنع أيا من الجهتين من القيام بأي خطوة يمكن معها حسم الخلاف الحدودي، في حركة ذكية تضمن استمرار الحصول على منافع التهديد بالانضمام لأحد الطرفين (التمثيل و التمويل)، بما أنه يحقق نوعا من توازن الرعب بين الجهتين، إلا أن لذلك خطورة على الواقع التنموي على تلك المنطقة، و يجعل المنطقة منطقة في حالة من اللا حرب و اللا سلم، و يجعل العمل فيها محفوفا بالمخاطر نظرا لارتفاع التوتر المستمر، و الذي تزيد وتيرته بما لا يخلو من المناوشات العسكرية المحدودة مع حلول مواسم الاستحقاقات السياسية في كل من الطرفين، مما يضاعف حالة العداء بين مركزي الإقليمين.

الهيكلية المقترحة للنظام الفيدرالي في الصومال

  • بنظرة سريعة لتاريخ نشأة الدولة الصومالية ، نجد أنها تكونت من عنصرين اتحادى (الصومال البريطاني) و (الصومال الإيطالي) فعليه يكون الاقتراح المنطقي البدء من تلك النقطة في تأسيس دولة فيدرالية من وحدتين فدراليتين رئيسيتين.
  • استقرار أرض الصومال ( الصومال البريطاني سابقا ) يتيح لها المجال في أن تستمر على نظامه القائم حاليا، بالإضافة لتعديلات بالنسبة لأوضاع المناطق الشرقية و أي وضع مستجد يستوجب العلاج.
  • العنصر الثاني من الكيان الفيدرالي (الصومال الإيطالي سابقا)، يحتاج لبناء هيكل داخلي أكثر تعقيدا، نظرا لظروفه الخاصة، بحيث يتحول إلى كيان فيدرالي على مستويين خارجي مع أرض الصومال ، و داخلي بين أقاليمه يضمن السلم الداخلي .
  • - يقسم ( الصومال الإيطالي – سابقا) إلى عدة كانتونات، يتم تحديدها حسب التوازنات الداخلية، بعد إخماد التمردات و التمكين للحكومة الانتقالية، بالشكل التالي:
  1. إدارة أرض البونت مركزها (قرطو) إلى الشمال من غالكعيو بحدودها الحالية، بعد حل الإشكال القائم مع أرض الصومال.
  2. إدارة غلمودوغ مركزها المقترح ( بلدوين ) إلى الجنوب من غالكعيو و تشمل غلغدود و هيران و حيب و مريغ.
  3. إدارة بنادر مركزها المقترح ( مقديشو )، و تشمل بنادر و شبيلي الوسطى و و شبيلي السفلى.
  4. إدارة بيداوا مركزها المقترح ( بيدابا) و تشمل باي و بكول و غدو.
  5. إدارة الجوبتين مركزها المقترح ( كيسمايو) و تشمل جوبا الوسطى و السفلى.
  • - يتم التعامل مع الأقليم المقترحة بنظام فيدرالي داخلي، و تقسم إداراتها تبعا للاتفاق، بما يضمن تلافي أي تهديد للسلم الاجتماعي.
  • - يتم استبدال النظام البرلماني القائم و تحويله من نظام الغرفة الواحدة، إلى نظام الغرفتين:
  1. مجلس الشيوخ و يتم الحفاظ فيه على النسب المتفق عليها سابقا 4,5.
  2. مجلس النواب و يعتمد نظام الدوائر الانتخابية حسب الكثافة السكانية، و يتقرر أعضاؤه حسب مخرجات الانتخابات.
  3. يتم فصل امتيازات الغرفتين بشكل واضح في الدستور على أن يتم ترجيح كفة مجلس النواب في حال النزاع.
  • منصب رئيس الدولة يكون منصبا شرفيا و رمزا لوحدة البلاد و سيادتها و الفصل بين السلطات، و يتم انتقال الصلاحيات و السلطات إلى رئيس الوزراء المرشح من قبل الأغلبية البرلمانية، على أن يكون رئيس الدولة المشرف على المجلس الرئاسي المكوّن منه و رئيسي الإقليمين الفيدراليين و نائبيه.
  • تعمل الحكومة الفيدرالية على مبدأ ازدواج المرافق و الدوائر، و تنضوي تحت النظام كل مؤسساتها في الإقليمين الفيدراليين.
  • تعمل الحكومات المحلية لمكوني الاتحاد على توفير خدماتها للأقسام الإدارية الداخلية حسب الكثافة السكانية و الإمكانيات.
  • يتم انتخاب حكام الأقسام الإدارية في (الصومال الإيطالي – سابقا -) كحكام ولايات، و يتم تعيينم في (الصومالي البريطاني – سابقا -) من قبل رئيس الإقليم الممثل للحزب الحاصل على الأغلبية في الانتخابات المحلية.
  • يتم إنشاء محكمة دستورية فيدرالية عليا تفصل في قضايا تداخل السلطات بين الحكومة الفيدرالية و الحكومات المحلية و الأقاليم.

ضرورة أخذ الخيار الفيدرالي الرشيد بعين الاعتبار

إن التهديد الذي يشكله التسليم بعدم القدرة على وضع حد لنفوذ الكيانات الهلامية الآنفة الذكر، لأكبر بأي حال من الأحوال، من أي تعارض شكلي بين ثوابت الأطراف الثلاثة التي تمتلك النظام، و الاستقرار و الشرعية الدولية على التوالي.

و إنه من الحيوي إثارة إنتباه القادة السياسيين و حضهم على الخروج من القوالب المجمدة التي تركها لهم من كان قبلهم، لينتقلوا في رؤاهم و أعمالهم من النطاق التقليدي الضيق و المقيت، إلى فضاء أوسع يمكنهم من خلاله رسم صفحة جديدة من تاريخ وطننا و شعبنا ، فكل القادة الحاليين بل و من سبقهم كان يسير ضمن سكة أمر واقع تقرر في غيابهم، او حتى في وقت لم يكن لهم رأي أو شأن يمكن ذكره، فعلام الارتباط بأوزار السابقين التي تزيد الأوضاع السياسية و الأمنية إحتقانا، و تدفع الواقع الشعبي نحو طريق مسدود قد يؤدي إلى الانفجار، أو الانحسار ضمن صفحات تاريخ مليئ بالأقزام المتنطعين بالقيادة.

كما أن مما لايمكن إنكاره أن طول الفترة الزمنية التي مرت على قيام جمهورية أرض الصومال، و فشل قادتها في لفت نظر العالم إلى مطالب قد يعتبرها البعض من المقدسات، و عدم قدرة ولاية أرض البونت في بسط نفوذها على نطاقها القبلي كاملا، و ضبط الأمن في إقليمها، و عجز الحكومة الانتقالية عن بسط الأمن و النظام على الأقاليم التابعة لها إسميا، كل ذلك يستوجب إعادة المراجعة، و ترتيب الأوراق، لجمع قطع الأحجية، و فك طلاسم الفوضى و العبثية التي تستهلك الشعب بأسره، نفسيا و اقتصاديا و بشريا.

وعلى ذلك نخلص إلى أن الأبراج العاجية التي يعيش فيها القادة السياسييون للكيانات الثلاثة، ليست سوى وهم يمكن التغلب عليه، عبر تحديد الأولويات، و البحث عن حلول جذرية – و إن كانت تدريجية – لخنق حركات التمرد و الصراعات العبثية إلى غير رجعة، فليس هنالك من لا يستطيع تفهم أن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

إنه من المؤكد عدم وجود حل سحري للمسألة الصومالية، إلا أن وضع تصورات تهدف لتحريك الراكد من المسائل المصيرية لشعبنا أمرض ضروري، كما أن فتح أعين الساسة و ذوي التفوذ على التجارب الإنسانية، المتراكمة على مدى العصور دور جوهري من أدوار من حباهم الله بشيء من المعرفة من أبناء شعبنا.

و قد كانت مسألة استمرار عنصر الصوماليين و ثقافتهم و موطنهم، على خطورة الحال، لا زالت موضع جدل كبير ومصدر نزاع لا يخفى على بصير، إلاّ البحث عن حلول وسطى، هو الطريق الأمثل لوقف هدر الأرواح و الأموال.

إن مبحثنا هذا – و إن لم يعجب البعض – إنما هو دعوة صادقة لعقد سلسلة من الاجتماعات الثنائية بين قادة أرض البونت وأرض الصومال من ناحية، و الحكومة الانتقالية و أرض البونت، و الحكومة الانتقالية و أرض الصومال، لممارسة صحية للسياسة – فن الممكن -، حتى يمكن في النهاية وضع حد للخلافات المصطنعة، ووضع ميثاق يضمن عدم تكرار أخطاء الماضي، و من ثم استيعاب الأطراف المتمردة، و احتواءها لنمنح الأجيال القادمة ما يمكنها التطلع إليه.